mardi 15 mars 2016

قرار بوتين سحب قواته.. ضغط سياسي على الأسد للقبول بالفيدرالية

بانوراما الشرق الأوسط أحمد الشرقاوي
قرار الرئيس بوتين سحب جزء من قواته الجوية من سورية فاجأ الجميع لا محالة، باستثناء الرئيس أوباما الذي عقد معه اتفاق مبادئ لإدارة الصراع في سورية والمنطقة، بما يضبط السقف والحدود، لتجنيب الشرق الأوسط مزيدا من الدماء والدمار، والعالم حربا كونية لا مصلحة للكبار بالتورط فيها..
كما أن القرار لم يكن مفاجئا لبعض القادة الأوروبيين، خصوصا بعد تسريبات خرجت تتحدث عن صفقة سرية أوروبية – روسية لرفع العقوبات عن موسكو بشأن الأزمة في أوكرانيا شرط الضغط على الرئيس الأسد للقبول بالتغيير في سورية.
القرار الروسي أثار عاصفة من ردود الفعل، وفتح الباب واسعا على تساؤلات عديدة في محاولة لفهم خلفياته، أسبابه، أهدافه، وتداعياته.. وفي هذا الإطار لكل قراءته التي يراها من وجهة نظره، ومن طريقة فهمه للخطاب على ضوء المعلومات المتوفرة من جهة، ومعطيات الواقع من جهة أخرى.

الرئيس الأسد تبلغ بالقرار عبر الهاتف مباشرة من الرئيس بوتين، وهذا يعني أنه لم يكن نتيجة لأجندة زمنية متفق عليها بين الحليفين، خصوصا وأن روسيا وبخلاف ما قال بوتين، لم تنجز مهامها العسكرية وفق الأهداف التي أعلنتها من قبل، لعل أهمها: القضاء على الإرهاب والحفاظ على وحدة وسيادة الأراضي السورية منعا لمشروع التقسيم.
لكن في النتائج، صحيح أن روسيا ساعدت سورية في تغيير موازين القوة على الأرض وأصبح الجيش العربي السوري وحلفائه ممسكين بمعادلة الميدان، لكن الواقع يقول، أنه وإلى يومه، لم يتم القضاء على “داعش” و”النصرة” والجماعات الإرهابية المرتبطة بهما وتطهير الأرض السورية من رجس التكفيريين الذين يشكلون خطرا على المنطقة والعالم والأمن القومي الروسي، كما كانت تعلن موسكو مرارا وتكرارا، وتقول أن محاربة الإرهاب تمثل أولوية في سورية قبل الحديث عن الحل السياسي..
ثم فجأة، اتفقت مع الأمريكي على انطلاق المسار السياسي بموازاة مواصلة الحرب على الإرهاب المتمثل في “داعش” و”النصرة”، وتسربت معلومات تفيد بإمكانية القبول بتعويم “جبهة النصرة” كمعارضة “معتدلة” في حال أعلنت فك ارتباطها بـ”القاعدة”، وفي النهاية، تنازلت موسكو عن شرط تقديم لوائح بالجماعات الإرهابية والمعارضة المعتدلة قبل وقف العمليات القتالية، وقبلت ضمنيا بعكس التصريحات المتحفظة على ذلك والموجهة للاستهلاك الإعلامي، بانطلاق العملية السياسية في جنيف من دون مشاركة كل أطياف المعارضة السورية بما في ذلك الأكراد وغيرهم، ناهيك عن مشاركة معارضة الداخل، هذا علما أن النقاش حول طبيعة الدولة والنظام وفصول وبنود الدستور قضايا جوهرية تعني كل السوريين وليس معارضة الرياض فقط.
كل هذا، يدفعنا للقول أن هناك ثقب أسود كبير في الاتفاق الروسي الأمريكي لا يعرف أحد حجمه وعمقه وقوة جاذبيته لابتلاع الدول وتقاسم المصالح والنفوذ، في ما يشبه اتفاق “مالطــا” ثنائي بين الكبار، استبعدت من المشاركة في صياغة عناوينه ومفاصله الأساسية كل من فرنسا وبريطانيا و”السعودية” وتركيا وإيران، ما أثار حنق الجميع، ودفع بالرئيس السوري إلى تصعيد الخطاب بشأن وحدة الأراضي السورية وحق الشعب السوري وحده دون سواه في تقرير مصيره ومستقبل بلده، ولاقاه الرئيس روحاني بالقول، «علاقاتنا المميزة مع روسيا لا تعني أننا موافقون على ما تفعله في سورية»..
هذا علما أن إيران هي من أتت بروسيا إلى سورية، وتجمعها بها علاقة استراتيجية أبرمها بوتين خلال زيارته الأخيرة إلى طهران ولقائه بالمرشد الإمام الخامنئي وتعهده بعدم طعن إيران في الظهر، الأمر الذي كان يقتضي من موسكو التشاور مع طهران في الأمور الأساسية التي تهم مستقبل سورية ومصالح الحلفاء في المنطقة، لا عقد اتفاق غامض مع قوة تعتبرها إيران معادية، و من ثم محاولة تلزيم مقتضياته للحكومة السورية، في إطار ما ذكرته مصادر دبلوماسية عن وجود صفقة أوروبية – روسية حول سورية، تدعم بموجبها موسكو الفيدرالية في سورية مقابل رفع العقوبات التي فرضت عليها بسبب ضمها لجزيرة القرم وتدخلها العسكري المُقنّع في أوكرانيا.
لأن تبرير الرئيس بوتين قراره المفاجئ بـ”الانسحاب” العسكري المباشر من الحرب على الإرهاب في سورية، من خلال القول أن بلاده أنجزت المهمة وقضت على 2000 من إرهابيي القوقاز وآسيا الوسطى، لا يعتبر قولا دقيقا ومقبولا من الناحية الموضوعية، خصوصا وأن الرئيس بوتين نفسه سبق وأن أعلن في بداية حملته العسكرية في سورية، استنادا إلى تقارير المخابرات الروسية، أن عديد القوات الأسيوية التي يتم تدريبها للعودة إلى روسيا وزعزعة الاستقرار فيها يقدر بحوالي 5000 مقاتل.
وبالتالي، فقرار بوتين لا يمكن فهمه إلا في إطار انتفاء خطر الإرهاب على بلاده، ما يؤكد أن هناك تعهد أمريكي بعدم السماح لتركيا و”السعودية” بنقل التفجير إلى الداخل الروسي، مقابل وقف دعم روسيا للرئيس بشار الأسد عسكريا وتعويم مسألة الفيدرالية كحل سياسي لتجنب التقسيم في سورية.
كما وأنه بالنسبة للعنوان الثاني المتعلق بوحدة الأراضي السورية، فدير الزور والرقة وتدمر وعديد المواقع سواء في الشمال الشرقي والمنطقة الشرقية أو الجنوب السوري لم يتم تحريرها بعد من الإرهاب، وهو ما يطرح أكثر من سؤال حول إن كان مشروع الفدرلة يشكل بندا من بنود الاتفاق الروسي – الأمريكي، وأن بقاء الجماعات الإرهابية في هذه المناطق هو للضغط على دمشق بهدف القبول بالحل السياسي وفق الرؤية المتفق عليها مع الأمريكي.
لأن ما يثير الشكوك بشأن هذا المعطى، هو التصريح الذي أدلى به ممثل روسيا في مجلس الأمن السيد فيتالي تشوركين خلال مؤتمر صحفي عقده بتاريخ 19 – 02- 2016، حيث قال في إطار رده على تصريح للرئيس السوري بشار الأسد بأن دمشق عازمة على تحرير كافة الأراضي السورية من رجس الإرهاب، ما نصه: «إن روسيا تعمل نحو التسوية السلمية للأزمة السورية، وإن محاولة استعادة السيطرة على كامل البلاد سيكون تصرفا بلا جدوى، وسيسمح للصراع بالاستمرار للأبد». موضحا كلامه بالقول: «إن روسيا ساعدت الأسد على تغيير موازين الحرب، ولذلك فلزاما عليه الآن إتباع الخط الروسي والالتزام بمحادثات السلام». وهو التصريح الذي قالت موسكو أنه يعبر عن وجهة نظر تشوركين، وأن روسيا ضد مشروع التقسيم., وهذا صحيح لأن الفيدرالية ليست تقسيما، بل مجرد مقدمة للتقسيم مستقبلا.
ثم جاء تصريح نائب وزير الخارجية ومبعوث الرئيس بوتين يوم 29 – 02 – 2016 ليصب الزيت على النار بقوله، إن الفيدرالية فكرة ممكنة في سورية، ولا شيئ يمنع من إقامتها في حال وافق السوريون عليها. وهو ما أثار جدلا واسعا في دمشق وطهران، خصوصا وأن رئيس مجلس شؤون السياسة الخارجية والدفاع، فيودر لوكيانوف، أوضح المعنى الذي قصده السيد بوغدانوف بقوله: « قد تؤثر التغيرات في الهيكلة الإدارية لسوريا إيجاباً في عملية تسوية الأزمة السورية، لأنه عمليا ليس هناك حاليا دولة سورية موحدة، لأنها مقسمة إلى مناطق واقعة تحت سيطرة هذه القوى أو تلك، وليس بالإمكان حتى الآن تصور أن تكون إحدى هذه القوى قادرة على حسم الموقف لصالحها، لذلك يجب البحث عن هيكلية جديدة للمحافظة على حدود سوريا الحالية المعترف بها دوليا، وهذا الأمر إما تقرره نتائج استفتاء عام، وإما صيغة جديدة لدستور الدولة»..
ما يعني أن الفدرلة هي الحل، لأن روسيا لا يمكنها الاستمرار إلى ما لا نهاية في محاربة الإرهاب، وهي تعلم أن أمريكا وأدواتها يراهنون على الوقت وعلى صب مزيد من الزيت على نار الحرب في سورية لاستنزافها وإفشالها، لهذا السبب قال بوتين في تبريره لقراره بسحب جزء من قواته، أن روسيا لا تريد تكرار تجربة الاتحاد السوفياتي في سورية، وأن الظروف أصبحت ناضجة اليوم للحل السياسي.. ما يؤكد أن موسكو قررت اتخاذ هذه الخطوة المفاجئة في التوقيت الذي تزامن مع انطلاق محادثات جنيف، وبعد تصريح الوزير وليد المعلم الذي قال فيه أن وحدة الأراضي السورية والرئيس الأسد وحق الشعب السوري في تقرير مصيره تعتبر خطوطا حمراء لا يسمح بتجاوزها.
ثم جاء تصريح وزير الخارجية الألماني مباشرة بعد إعلان الرئيس بوتين سحب قواته الجوية من سورية، ليؤكد ما أشرنا إليه عن صفقة أوروبية – روسية بشأن رفع العقوبات عن روسيا مقابل الضغط السياسي على الرئيس الأسد، حيث قال المسؤول الألماني: «إن قرار روسيا يمثل ضغطا سياسيا على الرئيس الأسد ويدفعه للقبول بتغيير سياسي وانتقال للسلطة في سورية».. وهذا يعني أن القرار لم يكن مفاجئا لقادة أوروبا الذين كانوا ينتظرون إعلانه.
وبالتالي، هذه المعطيات تؤشر إلى أن العنوان الأساس الذي توافق عليه الروسي مع الأمريكي للحل في سورية هي الفيدرالية، وإلا، ما كان المبعوث الأممي دي ميستورا ليؤيد فكرة فدرلة سوريا خلال تصريحات أدلى بها إلى قناة “الجزيرة” القطرية يوم 8 مارس/آذار الجاري، حيث قال بعد مشاورات أجراها مع مختلف أطياف المعارضة السورية مطلع الشهر الماضي: «يرفض السوريون كافة مسألة التقسيم، لذلك قد تكون الفيدرالية هي موضع النقاش في المفاوضات المقبلة».
أما دمشق فترفض الفدرالية التي تعتبرها مقدمة للتقسيم، وقد كان وزير الخارجية السيد وليد المعلم واضحا في المؤتمر الصحفي الذي عقده يوم 12 مارس/آذار الجاري بقوله: «أنا أتحدث كمواطن سوري، نحن ضد فكرة الفيدرالية، نحن مع الحفاظ على وحدة الأراضي السورية والمجتمع السوري»..
وحديث السيد وليد المعلم عن صناديق بلاستيكية بدل الخشبية، معناه أن سورية اتخذت قرارها برفض الفدرالية ومستعدة مع حلفائها لمواجهة كل التداعيات، وأن العواقب ستشمل المنطقة كلها وليس سورية فحسب..
لأنه إذا كان دي ميستورا يقول قبل انطلاق اجتماعات جنيف، أن فشل المسار السياسي يعني العودة إلى الحرب، فها هي سورية تقول أنها مستعدة لها وستنتصر فيها لأنها حضرت الأكفان للأعداء، وأن خياراتها لن تقتصر على الساحة السورية هذه المرة فحسب، بل قد تطال المنطقة.
لهذا السبب قال أوباما في عقيدته التي تركها إرثا لخلفه، أن بلاده لا ترغب في التورط في صراع طائفي تتجمع سحبه السوداء في سماء المنطقة ونصح الرياض بالجنوح لسلام بارد مع طهران بدل الجموح نحو التصعيد والتفجير..
وقد يكون هذا هو نفس السبب الذي دفع بالرئيس بوتين للانسحاب من سورية، مفضلا دعمها في الحرب على الإرهاب من دون التورط مباشرة في الميدان، لعدم رغبته في تكرار تجربة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان كما قال.
والسؤال الذي يطرح في إطار هذه المستجدات هو: – هل قرر الكبار الانسحاب من التورط في الحروب الطائفية القادمة التي يرون أن “السعودية” تعمل على إشعال نارها في المنطقة حتى آخر إرهابي وآخر دولار، وقالوا للجميع: «اغرقوا وحدكم في مستنقع طائفيتكم البغيضة.. أما نحن فمنسحبون؟»..
ثم، أليس هذا ما كانت ترغب به تركيا وذهب رئيس وزرائها داوود أوغلو إلى طهران الأسبوع الماضي ليقول للرئيس روحاني، أن شؤون المنطقة يجب أن يقرر بشأنها أهلها لا أمريكا وروسيا، وأن تحالف تركيا وإيران من شأنه إحلال الأمن والسلام ووقف إراقة الدماء بين الإخوة الأشقاء؟..
الأيام القليلة القادمة من شأنها توضيح صورة المشهد الذي يرتسم في الأفق المنظور.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire