dimanche 15 janvier 2017

المغرب وإشكالية الإسلام الرسمي والإسلام السياسي

خاص: بانوراما الشرق الأوسط 
أحمد الشرقاوي
...
(أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) محمد: 24
يعيش المغرب اليوم أزمة حقيقية لتشكيل الحكومة لا مخرج دستوري لها، والملك لا يملك حلا سحريا لتجاوز المعضلة لأنها نتيجة لهندسة سياسية فرضت تحكّم القصر باللعبة الديمقراطية بطريقة غير مباشرة من خلال دستور على مقاس المخزن اعتمد بانتهازية لتجاوز انتفاضة 20 فبراير2011 ما أوصل البلاد إلى حائط مسدود.
والمفارقة، أن حزب العدالة والتنمية الإسلاموي الذي استعمله النظام السابق لنزع الشرعية الشعبية عن جماعة العدل والإحسان المعارضة، واستغله النظام الحالي كورقة لامتصاص غضب الشارع بنصيحة من بيل كلينتون، هو ذاته الحزب الذي سيجر على النظام الويلات في الداخل والخارج

في الداخل، لأن النظام الذي يدعى أنه الممثل الوحيد للشرعية الدينية في البلاد من خلال “إمارة المؤمنين”، خلق من حيث يدري أو لا يدري وحشا دينيا معتقدا بإمكانية تدجينه، فلما نمى وترعرع وقوي عوده وأصبحت له قاعدة شعبية لا يستهان بها بدأ يرفع الصوت ويهدد النظام بورقة الشارع..
وفي الخارج، لأن زمن استثمار الإدارة الأمريكية في ورقة الإخوان لسرقة انتفاضات الشعوب انتهت وولت إلى غير رجعة، وها هو الرئيس الجديد ترامب، وكما توقعنا في مقالة سابقة، قرر إعلان الحرب على الإسلام السياسي في العالم العربي.
وها هي المعلومات تتحدث اليوم عن مشروع قرار قدمه السيناتور الجمهوري في الكونغرس الأمريكي “تيد كروز″، يطالب فيه بإدراج جماعة “الإخوان المسلمين” على قائمة المنظمات الإرهابية.
وها هو خوان زارات، المستشار الرئاسي الأسبق بالبيت الأبيض، يؤكد أن دونالد ترامب، سيبدأ ولايته الرئاسية بعملية مطاردة الساحرات ضد زعماء الإسلام السياسي في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بما في ذلك الأحزاب التي وصلت إلى الحكومة في المغرب وتونس والكويت، وأن الإدارة الأمريكية الجديدة ستتعامل مع الأحزاب السياسية الإسلامية بخلفية إديولوجية باعتبارها أحزابا تنتج بطريقة مباشرة أو غير مباشرة خطابا يشجع على الإرهاب.
*** / ***
ما قاله خوان زارات لا يجافي الحقيقة، فحزب العدالة والتنمية الإخونجي الشعبوي المغربي، وبرغم نفيه الانتماء للأممية الإخونجية، إلا أنه من أشد المعجبين بتجربة حزب العدالة والتنمية التركي، ويحاول المضي على خطاه لتوسيع قاعدته الشعبية من خلال خطاب شعبوي اشتهر به المهرج بن كيران، لدرجة أزعجت القصر في أكثر مناسبة، لعل أبرزها:
* اتهامه للقصر من خلال تصريحات ضمنية بـ”التحكم” في المشهد السياسي، وبفرض “التعليمات” من الباطن على وزراء في الحكومة لا يعلم بها رئيسها إلا بعد تنفيذها.
* اتهامه لدمشق وموسكو بمناسبة تحرير حلب بارتكاب “مجازر تجاوزت الحدود الإنسانية”، الأمر الذي دفع السفير الروسي في الرباط لتقديم احتجاج رسمي لوزارة الخارجية، فتدخل القصر عبر وزير الخارجية لإيضاح موقف المغرب الرسمي وتأكيد حرصه على العلاقة الاستراتيجية مع روسيا، وهو ما اعتبره المتابعون للشأن المغربي محاولة خبيثة من رئيس الحكومة لتخريب العلاقات الطيبة التي بناها العاهل المغربي مع الاتحاد الروسي خلال زياراته الشخصية إلى موسكو في أكثر من مناسبة، خصوصا وأن روسيا كانت لها مواقف إيجابية من قضية الوحدة الترابية للملكة في مجلس الأمن بخلاف الولايات المتحدة.
* كشفه النقاب عن مرجعية حزبه الإديولوجية من خلال إعلانه في احدي التجمعات الحزبية بنبرة غاضبة، وكأن الرجل يخوض حربا دونكيشوتية ضد أعداء وهميين وقوله صراحة وعلى الأشهاد: “يا معشر القوم أنتم لا تفهمون مرجعيتنا، مرجعيتنا هي بن تيمية وهو الذي علمنا أن نقول أنا جنتي في صدري، احملها معي أينما ذهبت، فسجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة.
وأوضح بن كيران بذات المناسبة رسائله المشفرة بالقول: “إذا كنا سنموت موتة البعير فهذا ليس مشكلة كبيرة، نحن مستعدين للموت فلا تخطئوا، ثقافتنا لا تعرفونها.. فلا تخوّفونا لا بالسجن أو القتل.
والكلام واضح لا يحتاج لتفسير، وهو موجه لأعلى سلطة في البلاد التي بيدها قرار السجن أو التصفية، بالرغم من أن العاهل المغربي في العهد الجديد قطع مع ممارسات سنوات الرصاص التي كانت سائده في عهد والده، والمغرب تغيّر كثيرا في مجال الحقوق والحريات وإن كان الشعب لا يزال يطالب بما هو أكثر ويتمسك بمعظمه بالمؤسسة الملكية باعتبارها الوحيدة الضامنة لأمنه وحقوقه في غياب الأحزاب التقليدية المناضلة التي تحولت إلى دكاكين سياسية انتهازية فقدت مصداقيتها وجدواها وحلت محلها مؤسسات المجتمع المدني الذي ملأ الفراغ وأصبح قوة تغيير وازنة تفرض إرادتها على الدولة حين تتظاهر سلميا في الشوارع.
والسؤال الذي يطرح نفسه إزاء تصريح بن كيران الخطير حول مرجعية حزبه هو: – هل الوضع في المغرب وصل حد التلويح بورقة “الجهاد” كي ينتصر الحزب لإديولوجيته المتطرفة ومشروعه للهيمنة على السلطة في مواجهة الدولة، وهو الذي سبق وأن هدد القصر في اكثر من مناسبة بالنزول إلى الشارع؟..
نحن على يقين أن القضاء على التهديد الذي أصبح يمثله هذا الحزب الإسلاموي المتطرف لا يمكن أن يتم من خلال التصفية الجسدية أو المواجهة الأمنية، وأن تضامن المغاربة مع ملكهم وتفويض مؤسسة القضاء للبث في تجاوزات هذا الحزب والخطر الذي أصبح يمثله بالنسبة للنظام والشعب كفيل بإنهاء وجوده واقتلاعه من جذوره ضمانا للأمن السياسي والاجتماعي للعباد وحفاظا على علاقات المغرب الخارجية التي تمثل الرئة التي تتنفس منها البلاد اقتصاديا، فالأمر لا يتعلق هنا بحرية الرأي والتعبير كما قد يبرر البعض، بل بخطر كبير أصبح داهما في عصر عولمة الإرهاب، وحزب بن كيران متهم بتواطئه في إرسال “الجهاديين” إلى بؤر التوتر في المنطقة مثله مثل حركة النهضة لصاحبها الإخونجي راشد الغنوشي في تونس.
لأن إعلان بن كيران هذا جلب عليه الكثير من المواقف المستنكرة والمشككة في ولائه لوطنه ومشروعه الباطني الخفي الذي يتخذ من التقية مسلكا للتمكين من خلال التغلغل الهادئ والناعم في مختلف مفاصل الدولة، تماما كما فعلت جماعة “الإخونج” في مصر وقبلها في تركيا، وها هو اليوم أردوغان قاب قوسين أو أدنى من تحويل تركيا العلمانية إلى سلطنة عثمانية إسلاموية استبدادية بطموحات امبراطورية توسعية.
* ثم جاء إعلان بن كيران بمناسبة تشييع جنازة أحد البرلمانيين من أعضاء حزبه قبل شهرين تزامنا مع تكليفه من قبل العاهل المغربي ببدء المشاورات لتشكيل الحكومة، ليزيد الطين بلة ويؤكد أن ما يصرح به الرجل ليس مجرد زلة لسان أو كلام عاطفي انفعالي ردا على مواقف مستفزة من العلمانيين ولا من يحزنون، بل كلام مسؤول يعبر عن عقيدة راسخة لديه ولدى أعضاء حزبه، حيث عاد هذه المرة للاستشهاد بكلام الفقيه أحمد ابن حنبل مؤسس المذهب الظاهري المتشدد الذي رضع من لبنه المتطرف شيخ التكفير ابن تيمية ونبي الوهابية الدجال محمد بن عبد الوهاب وغيرهم من تلامذة السلفية “الجهادية” التي جرّت على الأمة المصائب والكوارث التي تعيشها اليوم، من خلال الحديث عن “ضمة القبر..
وهي القضية التي تخيف المسحورين والمخدوعين فتدجنهم بسبب جهلهم بنصوص القرآن التي لا ذكر فيها لما يسمى بـ”عذاب القبر”، ثم ماذا عن الذين يموتون حرقا أو غرقا أو يأكل أبدانهم الوحش؟.. ناهيك عن أن الله العادل لا يمكن أن يعذب الإنسان في قبره بعد موته قبل أن يحاسبه يوم القيامة، كما أن الجسد هو عبارة عن مستودع بلغة القرآن، أي مجرد صندوق من تراب يتركه الإنسان ليعود ترابا كما كان، في حين أن الروح تصعد لملكوت السماء لأنها خالدة لا تموت ما دامت من روح الله تعالى التي نفخها في عبده آدم.
*** / ***
من هنا نفهم سبب تردد العاهل المغربي في حسم موضوع تأليف الحكومة، وهو القادر – إن أراد – أن يصدر تعليماته لأحزاب السلطة التي صنعها المخزن وتتحكم فيها مخابراته لأن يشكلوا حكومة ائتلافية صورية وهجينة كسابقتها برئاسة الإخونجي بن كيران في أسرع وقت ممكن، ولا يملك أحد في المغرب أن يعترض، لأنه لم يسبق في تاريخ المغرب أن قدم أحد خدام الدولة أو وزيرا أو مسؤولا رفيعا استقالته احتجاجا على قرار أو ممارسة حتى لو تعارضت مع القانون، فالملك هو الذي يعيّن وهو الذي يقيل وهو من يدير اللعبة برمتها بالريموت كونترول وفق حسابات معقدة لاعتبارات داخلية وإكراهات خارجية.
وفي اعتقادي أن من سيتحكم في قرار الملك هذه المرة هو البعد الخارجي المتعلق بإدارة ترامب وسياساتها تجاه الإسلام السياسي، والعاهل المغربي غير مستعد للإضرار بمصالح بلاده وشعبه من أجل سواد عيون حزب إخونجي متطرف، فلتذهب الديمقراطية الشعبوية إلى الجحيم، مصلحة البلاد العليا تقتضي قرارا شجاعا من العاهل المغربي سيتفهمه الشعب لا محالة، وإذا أراد بن كيران وحزبه النزول إلى الشارع، فالمغاربة قادرون على قطع دابره واجتثاث جذوره، خصوصا وأنه فشل في تدبير الشأن الداخلي وجلب عليه سخط وغضب شرائح واسعة من المغاربة، أولا بسبب فشله في محاربة الفساد وهو الذي انتخب من أجل هذه المهمة وتبين أن وزرائه انخرطوا هم أيضا في الفساد، وفشل في تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين والحد من تفاقم ظاهرة البطالة وتفشي الغلاء حيث التزم بتعليمات صندوق النقد الدولي وأدخل البلاد في أزمة خانقة.
وانتخابه هذه المرة كان بنسبة لا ترقى لمعايير الديمقراطية للقول أنه يتمتع بأغلبية شعبية، بل من صوّت لحزبه هي أقلية من المغاربة المغفلين والمسحورين بالخطاب الإسلاموي المتطرف في ظل مقاطعة الأغلبية، وذلك بدعم من شيوخ السلفية الوهابية والإخونجية المغربية التي تمهد لإقامة إمارة إسلامية في المغرب، ما يشكل خطرا كبير على استقرار البلاد في حال سمح لهذا الحزب بالإستمرار في السلطة.. نظرا لقدرته على استقطاب أصحاب العقول الضعيفة والشباب من الطبقة الفقيرة اليائسة، بسبب خطاب بن كيران الشعبوي والانتهازي الذي أصبح ينافس “أمير المؤمنين” في الشأن الديني.
*** / ***
عندما زلزلت الأرض تحت عرش المخزن في انتفاضة 20 فبراير 2011 مطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، سارع العاهل المغربي في بداية الأحداث إلى الإعلان عن عزمه تعديل الدستور والتنازل عن بعض صلاحياته لرئيس الحكومة المنتخبة من قبل الشعب، فأسس لجنة مختصة لذلك، وفتح المجال لنقاش شعبي واسع حول التعديلات المقترحة، فامتص بذلك غضب الشارع ونجح في إجهاض الانتفاضة في مهدها.
والحقيقة أن المغاربة في الداخل والمهجر وباختلاف انتماءاتهم الإديولوجية ومشاربهم الفكرية وتوجهاتهم السياسية، باستثناء الراديكاليين من جماعة العدل والإحسان الإسلامية واليسار المتطرف، شاركوا بفعالية في رفع مقترحاتهم للجنة تعديل الدستور عبر موقع إلكتروني أنشأته الدولة لهذا الحدث، في دلالة واضحة على رغبة القصر في أن تشمل الاستشارة كل شرائح الشعب قبل بلورة المشروع النهائي وطرحه على الاستفتاء العام، وبهدف محدد يكمن في تحويل مؤسسة “إمارة المؤمنين” من حالة عرف تاريخي يخضع للبيعة من أهل الحل والعقد المبتدعة والمخالفة لمفهوم الشورى القرآني، إلى شرعية شعبية مقننة دستوريا.
وكعديد المغاربة في المهجر شاركت بعديد الكتابات حول الموضوع في موقع أنشأناه بمعية نخبة من الأكاديميين والمثقفين والناشطين بأوروبا لهذا الغرض، وكانت المعضلة الكبرى التي طرحت للنقاش آنذاك، مسألة استغلال الدين في السياسة وطبيعة الدولة دينية أم علمانية أم مدنية، وأنموذج النظام الأصلح للبلاد: “ملكية دستورية” استبدادية أم “ملكية برلمانية” يتحول فيها الملك إلى رمز وحكم من دون صلاحيات تنفيذية، لأنه لا يمكن أن لـ”أمير المؤمنين” أن يكون حاكما فعليا للبلاد ويحصن نفسه بالقداسة ليتفلت من بدأ “المحاسبة على قدر المسؤولية”، بالإضافة إلى قضية الاستبداد والفساد والمشاركة السياسية في اتخاذ القرارات في دولة القانون والمؤسسات الحقيقية لا الصورية لتجسيد مفهوم المساواة والعدالة الاجتماعية واقعا على الأرض.
لن أعود لهذا النقاش بالتفصيل، لكني أذكر أن كتاباتي حينها انصبت على قضية الهوية الدينية والثقافية، وأولوية القيام بمراجعة نقدية شجاعة للمنظومة الدينية برمتها، تكون كفيلة بإخراج المغرب من زمن التقليد المتستر تحت مسمى “الأصالة” وركوب قطار التغيير الحقيقي لولوج عصر “النهضة” ولا أقول “المعاصرة” التي يدعي النظام أنه يعمل من أجلها.
ولعل أول ما استحضرته عند مواجهة ما يمكن تسميته بـ”معضلة “السلطة” في المغرب، هو تصريح سبق للعاهل المغربي أن أدلى به لجريدة البلد (الباييس) الإسبانية سنة 1999 عقب توليه العرش، حيث قال جوابا عن سؤال إن كان مستعدا للقطع مع السياسات التحكمية لوالده الحسن الثاني ونقل المغرب نحو ديمقراطية حقيقية (؟؟؟)، في إشارة ضمنية إلى أنموذج الملكية البرلمانية الإسبانية حيث الملك يملك ولا يحكم.. فقال العاهل محمد السادس بتعبير مقتضب لكنه بليغ يعبر عن حقيقة الواقع السوسيوثقافي المغربي: “لا أستطيع السير أسرع من خطى شعبي”.. وهو ما يؤكد أن جوهر المعضلة في المغرب من وجهة نظر العاهل الجديد هي ثقافية دينية ولّدت كل المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وأن والده فشل في تحديث المجتمع رغم كل الجهود التي قام بها في هذا الصدد، لكن خطأ والده كان أنه اعتمد العمانية الغربية من الباطن، بدل البحث عن نموذج حضاري من العقيدة الإسلامية يتساوق مع خصوصيات الثقافة المغربية..
والمعنى واضح لا يحتاج لكثير تفسير ومفاده، أن الرعية التي ورثها عن والده رعية أمية تقليدية تعيش في الماضي ولا يمكن أن ينقلها إلى المستقبل قبل أن تتغير وتتحول إلى شعب مواطن مدرك لإكراهات الحاضر وقادر على مواجهة تحديات المستقبل، والتغيير بهذا المعنى يتطلب رؤية ومشروع ورجال بعقلية مرنة لقيادة عملية التغيير، وأن الملك الجديد ليس مسؤولا عن ممارسات الماضي لأن لا أحد يحاسب بوزر غيره، وأن لكل مرحلة رجالها ولكل زمان مشكلاته، وأن المصالحة بين السلطة والشعب من شأنها توحيد الجهود لتجاوز العقبات الكثيرة التي قد تعترض عملية التغيير.
هذا الوضع نتج عنه فشل ذريع على كل المستويات، وأدى لانفجار الشارع بعفوية من دون قيادات ولا بوصلة ولا مشروع محدد المعالم، والنتائج نعرفها جميعا اليوم، ويمكن تلخيصها في كلمة دالة عن عمق الأزمة، ألا وهي “اليأس” وفقدان الثقة بالسلطة ووعودها بالإصلاح والتنمية، ما فتح الباب واسعا للإديولوجية المتطرفة كي تكسب مواقع متقدمة لها بين الشباب الغاضب.
ولتحويل الصراع من صراع بين الشعب والسلطة، أشعل النظام صراعا بينيّا بين الشعب والشعب عملا بمقولة “فرق تسد”، فانفجر نقاش فكري حاد في المنابر الإعلامية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بين “الإسلاميين” و”العلمانيين”، وبسبب هذا الصراع تحديدا لم تستطع انتفاضة 20 فبراير تحقيق كامل أهدافها، حيث انسحبت جماعة العدل والإحسان التي كانت تمثل الغالبية الوازنة من الشباب المتنور في التظاهرات بضغط من السفارة الأمريكية بالرباط، ولم يجد المستضعفون من المغاربة من يصوتون له في الانتخابات التشريعية ما بعد إقرار الدستور الممنوح غير حزب العدالة والتنمية الإخونجي الذي لم يشارك في التظاهرات لكنه كإخوان تونس ومصر حصد الأغلبية وتولى رئاسة الحكومة في الانتخابات التشريعية في ظل مقاطعة الغالبية الشعبية التي لم تعد تؤمن بقواع اللعبة الديمقراطية المغشوشة.
ومعلوم أن حزب العدالة والتنمية في المغرب هو النسخة المصغرة عن حزب العدالة والتنمية في تركيا، ورئيسه وأعضائه معجبون بالتجربة الأردوغانية، وهو كما سبق وأن أوضحنا في مقالات سابقة، حزب صنعته السلطة في عهد وزير الداخلية الراحل إدريس البصري، ليكون صمام أمان للنظام وبديلا عن المعارضة الإسلامية الراديكالية التي تمثلها جماعة العدل والإحسان التي لا تعترف بشرعية “إمارة المؤمنين”، في إطار ذات سياسة “فرق تسد” لضرب الإسلام السياسي المعارض بإسلام سياسي مدجن.
ذلك لأن النظام كان يعي بالعمق المطلوب أن كل الحركات الإسلامية التي ناهضت السلطة في الماضي انطلقت من الإديولوجية الإسلامية لنزع الشرعية عن السلطة القائمة، لأنه في غياب الحريات ودولة القانون والمؤسسات وآليات سلمية لتداول السلطة كما هي متعارف عليها في الديموقراطيات العريقة، كان العالم العربي ينتج وباستمرار معارضات إسلامية من داخل المنظومة الدينية التي تستمد منها السلطة الدهرية القائمة شرعيتها، والجميع كان يتاجر بالدين من أجل السلطة والمال من مدخل الإمارة والخلافة وتطبيق الشريعة وما إلى ذلك من ترهات لا أصل ولا فصل لها من القرآن.
*** / ***
حينها، كنت أنصح زملائي في النضال أن يركزوا على مسألة الثورة الثقافية بدل المصالح السياسية التي كان يسعى كل طرف للحصول عليها من انخراطه في التصعيد ضد النظام، وكنت أرى أن البداية يجب أن تكون من مراجعة المفاهيم الدينية انطلاقا من القرآن باعتباره القنطرة الإجبارية للوصول إلى دولة الإنسان وليس دولة المواطن فحسب كما هو متعارف عليها في الغرب، الأمر الذي كان من شأنه إنتاج نظام ينسجم مع هوية المغاربة ويحترم خصوصياتهم الدينية والثقافية ويؤسس لتجربة رائدة في المنطقة.
وبرغم معارضتي الشديدة للنظام في حينه، وبرغم أن العاهل المغربي الذي يخاف من الجالية في المهجر أكثر من خوفه من أية معارضة في الداخل، بسبب وعيها بمبادئ الحقوق والحريات وقواعد الديمقراطية وآليات المشاركة في السلطة وتشبعها بالقيم الدينية والأخلاقية والنهج العقلاني في الطرح.. من أن تؤثر في التوازنات السياسية في الداخل، فكانت الجالية تقصى من المشاركة في الاستحقاقات التشريعية وتطاردها المخابرات في كل مكان..
وبرغم إكراهات سياسية أخرى لا يسع المجال للخوض فيها هنا، إلا أنني لا أنكر أن العاهل المغربي كان يتابع عبر مخابراته ومستشاريه ما تطالب به الجالية في المهجر، وقد أخذ بالاعتبار بعضا من طروحاتها وطروحات معارضة الداخل لعل أبرزها:
نزع القداسة عن الملك في الدستور، وتحوّل الملكية إلى مؤسسة دستورية لا تطلب من المغاربة سوى الاحترام، وقد اتخذ العاهل المغربي قرارا فاجأ الجميع حين أعلن تنازله عن حقه في متابعة كل من أساء له قضائيا.. هذا القرار الشجاع وغير المسبوق جعل الجميع يحترم الملك ولم يعد أحد ينتقده بالكلام الجارح، فانصب النقد على رئيس الحكومة باعتباره المسؤول عن تنفيذ السياسات، ولا عذر له في القول أن القصر يتحكم في حكومته من خلال التعليمات الضمنية، أو أنه لا يستطيع محاربة الفساد لأن العفاريت والتماسيح القابعة في الدهاليز لا يمكن جرّها إلى القضاء، لأن المسؤولية تفرض عليه الاستقالة في هذه الحالة ليترك للشعب مواجهة القصر سلميا ووضع حد للعبة التحكم من الخلف.
تحويل مؤسسة “إمارة المؤمنين” من نظام الشرعية التاريخية من خلال البيعة إلى مؤسسة معترف بها دستوريا لها طابع الاستمرارية. لكن المعضلة التي أثيرت من قبل اليسار العلماني المتطرف حينها ركزت حول مفهوم “إمارة المؤمنين” لأنها تشمل المسلمين دون غيرهم من المعتقدات التي تتبناها الأقليات المغربية وفق فهمهم السطحي للدين، وبدعوى أن العاهل المغربي باعتباره رمزا للبلاد وراعيا لكل العباد لا يجب أن يستثني أحدا من مظلته ويكون بالتالي حاميا للأقليات، وهي القضية التي لا يمكن أن يكفلها غير النظام العلماني وفق زعمهم.
ولعلي كنت من الذين انتقدوا تعريف المغرب بالدولة “الإسلامية”، انطلاقا من الحقيقة القرآنية التي تقول أن كل نفس بما كسبت رهينة، وأن الله جعل الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا وأمرهم بالتقوى وحسم النزاع حول الهوية حين قال أن لا إكراه في الدين، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إن الله غني عن العالمين، وأن الله لا يحاسب الدولة أو الحزب أو الجماعة، بل يحاسب الناس فردا فردا يوم القيامة، وأن عبارة الدول الدينية تحمل دلالات تاريخية سلبية، وأن القرآن ترك مسألة الحكم للعباد شريطة الالتزام بما يخدم مصلحة الناس في الدنيا والآخرة، وأن التعريف الأنسب لطبيعة الدولة هو “الدولة المدنية” باعتبارها وعاءا جامعا لكل مكوناتها باختلاف العرق والجنس واللون والعقيدة والمشرب الفكري والتوجه السياسي.. هذه القضية الجوهرية فشلنا في فرضها على القصر بسبب معارضة حزب العدالة والتنمية الإخونجي لها، برغم موافقة جماعة العدل والإحسان على ذلك.
لكن، وهذا تطور لافت، كنت اقترحت من جهتي إعادة تعريف مفهوم “أمير المؤمنين” ليشمل المؤمنين من كل المعتقدات الموسوية والعيسوية وليس المؤمنين من أتباع محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقط، لأن الإسلام هو دين جميع المؤمنين دون استثناء من أتباع إبراهيم إلى أتباع محمد مرورا بكل الأنبياء والرسل بمن فيهم موسى وعيسى عليهم السلام جميعا، والله تعالى يقول (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) البقرة: 62. وبالتالي لا يمكن إقصاء أحد من رحمة الله، ما يفرض على المسلمين إعادة تعريف “إمارة المؤمنين” لتنسجم مع المفهوم القرآني للحق والخلق.
طبعا هذا الاقتراح لم يأخذ به القصر في الدستور الجديد، لأنه يفتح الباب على إعادة النظر في كل المفاهيم الإسلامية المتداولة بدءا من مفهوم “الدين” و”الإسلام” و”الكفر والإيمان” و “الولاء والبراء” و”الشورى” و”الحاكمية” و”الجهاد” والقتال” و”الحلال والحرام” وقضية “الشريعة” بين شرع الله وشريعة الفقهاء… وغيرها من المفاهيم التي لا يسع المجال لتفصيل القول فيها في هذا المقال.
غير أن مفاجئتي كانت كبيرة حين أعلن العاهل المغربي خلال زيارته لمدغشقر قبل أسابيع في ثاني لقاء صحفي يعقده منذ توليه العرش، أنه يود رفع كل لبس حول الشائعات التي تفيد بأن المشاريع التي يقوم بها لن تعود بالنفع سوى على الطائفة المسلمة، نافيا صحة هذه المزاعم، مؤكدا أن هذه المشاريع موجهة، بطبيعة الحال، لمجموع الساكنة، لأن “ملك المغرب هو أمير المؤمنين؛ المؤمنين بجميع الديانات.
وسبب المفاجأة أنه وحسب علمي، كنت الوحيد الذي طرح هذا الموضوع بمناسبة التعديل الدستوري، ولم يسبق أن قرأت عنه شيئا في الصحافة المغربية ولم يتناوله النقاش الذي كان يثار بين الإسلاميين والعمانيين حول مسألة “إمارة المؤمنين” في حينه.
هذا تطور إيجابي جدا سيكون له ما بعده لا محالة، مع اعتراضي على قول العاهل المغربي عبارة “بجميع الديانات” وكنت أتمنى لو استعمل مصطلح “بجميع المعتقدات”، لأن لا وجود في القرآن إلا لدينين، دين الإسلام الذي ارتضاه الله لجميع عباده منذ نوح إلى محمد، مرورا بإبراهيم وكل والرسل والرسالات بما في ذلك ملكة سبأ التي أسلمت لرب سليمان وسحرة فرعون الذين أسلموا لرب موسى وغيرهم كثير.. ثم في المقابل هناك دين الكافرين الذي لا يعتقدون بوحدانية الله تعالى.. ولذلك قال الله تعالى ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وأن الدين عند الله الإسلام، والله لم يتحدث عن شيئ اسمه دين اليهود أو دين المسيحيين أو غيرهم بل اعتبرهم جميعا مسلمين له.
من هنا يجب أن تبدأ المراجعة الحقيقية للإصلاح الديني بعيدا عن التراث الذي هو بالنهاية فهم بشري نسبي للدين لا يحتمل القداسة، وهذا موضوع يحتاج لمقالات تفصيلية كثيرة، سبق وأن نشرت العديد من الاجتهادات بشأن ما أسميته بـ”ثورة تجديد المفاهيم” على موقع بانوراما الشرق الأوسط منذ سنوات، وقد أعود لنشر أخرى لتوضيح الرؤية على ضوء واقع العرب اليوم، لأنه لا وجود لحل سحري للخروج من عصر الظلمات الحالي إلا من خلال تجديد المفاهيم على ضوء النص القرآني والتي على أساسها يمكن غربلة التراث وإسقاط كل ما يتعارض مع وحي السماء لبناء دولة الإنسان، وهذا هو المعنى الحقيقي لعملية الإصلاح الديني بعيدا عن عبثية الإصلاح من داخل المذهب التي لا تنتج إلا ذات الإديولوجية بخطاب إنشائي تجميلي في حين لا يتغير شيئ يذكر بالنسبة للمضمون، لأنه لو تغير المضمون لفقدت الأحزاب الدينية شرعية وجودها، وتولت الدولة حماية معتقدات مواطنيها كافة دون منافس أو منازع باعتبارها ممثلة لإرادة الشعب التي هي من إرادة الله.
لهذا ومن أجله، نتمنى على العاهل المغربي أن يعلن عن ثورة فكرية شاملة تشارك فيها جميع الكفاءات بعيدا عن وصاية الفقهاء، وتنتهي بمنظومة فكرية دينية جديدة تصالح المغاربة مع الوحي الإلهي وتقطع مع الإديولوجيا الإسلاموية المدمرة، وبذلك يدخل أمير المؤمنين التاريخ العربي والإسلامي من أوسع أبوابه كمجدد للفكر الإسلامي ورائد لتجربة نوعية وثورية ستحول بلاده إلى مركز للمعرفة والإشعاع الفكري والثقافي كما كان في عهد الأندلس.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire