dimanche 10 avril 2016

لهذا السبب باع ‘السيسي’ سيادة مصـر الترابية والسياسية لـ”السعودية”

خاص: بانوراما الشرق الأوسط
أحمد الشرقاوي
في مقالتنا الأخيرة بعنوان (مصــر.. بيـن عروبـة الشـام الأصيلـة وعروبـة “السعوديـة” الطارئـة)، قلنا أن الهدف الأساس من زيارة عاهل السعودية لمصر، هو محاولة رأب الصدع وردم الفجوة بين القاهرة وأنقرة، لأن التوازن في المنطقة لا يمكن أن يقوم إلا من خلال تحالف سياسي وعسكري يجمع بين الرياض والقاهرة وأنقرة في الظاهر و”إسرائيل” من الباطن، لمواجهة إيران ومحورها العربي المقاوم.
بدليل، أنه وبعد زيارة مصر، يعتزم العاهل السعودي التوجه إلى تركيا لوضع اللبنة الأساسية للإقامة هذا التحالف الجديد على ضوء نتائج محادثاته مع السيسي، وتفعيل خطة التفجير لقلب موازين القوى في الميدان السوري من خلال ثلاث جبهات، جبهة حلب وأريافها، جبهة الرقة، وجبهة الجنوب، خصوصا بعد أن حصلت “جبهة النصرة” على أسلحة نوعية من تركيا بتمويل سعودي، من ضمنها 85 صاروخ حراري أرض جو، أستعمل واحد منها في إسقاط الطائرة السورية مؤخرا.

اليوم، وقبل أن تنتهي الزيارة، تأكد أنه بالفعل تم شراء موقف القاهرة التي قبلت بالانخراط في هذا التحالف الطائفي الصهيوني المشبوه، وفق تخريجة تقوم على استبعاد ورقة الإخوان المسلمين من المعادلة، وتعهد تركيا بعدم التدخل في الشؤون الداخلية المصرية، تماما كما اشترطت “إسرائيل” استبعاد قيادات حماس من تركيا وعدم التدخل في شؤون غزة كشرط لعودة العلاقات لسابق عهدها مع تركيا، وبذلك، تكون السعودية قد نجحت في تدليل العقبات أمام إقامة تحالفها “العربي – السني – الصهيوني” من خلال نزع شوكة الإخوان التي كانت تقف حجر عثرة في الطريق.
وكان الرئيس السيسي قد مهّد لزيارة العاهل السعودي بموقفين يعبران عن هذا التوجه الذي تم طبخه على نار هادئة في الكواليس.. الأول، إنزال قناة المنار من على القمر “نايل سات” كتعبير عن موقف النظام المصري من المقاومة. والثاني، اتهام إيران بالتدخل في شؤون الدول العربية والتزام القاهرة بالدفاع عن ما تسميه بـ”الأمن العربي” لأنقاد الدول العربية الوطنية من التفكك والاندثار، والتذكير بأن القاهرة لن تعيد علاقاتها الدبلوماسية مع طهران قبل أن تغير الأخيرة من نهجها السلبي تجاه دول المنطقة.
وهذا يعني، أن ما كنا نتوهمه من خطوط حمر لا يستطيع الرئيس السيسي تجاوزها لم يكن تقديرا في محله، لأن من باع سيادة مصر على جزرها (صنافير وتيران)، وفرط في دماء شهداء حرب أكتوبر 67، وأصبح حليفا استراتيجيا لـ”إسرائيل” التي أوصلته بمعية “السعودية” إلى سدة الحكم في المحروسة، وداس تاريخ مصر وعروبة مصر وكرامة مصر مقابل الرز السعودي، لا يهمه أن يبيع ما تبقى من ركام الدول العربية لتقيم عليه مملكة ‘آل سعود’ عرش نفوذها.
*** / ***
قد يقول قائل أن ظروف مصر الأمنية والاقتصادية الحالية لا تسمح لها بممارسة دورها السيادي الوطني ولا الريادي في العالم العربي، وأن إغضاب “السعودية” سيقابل حتما بموجة تصعيد للعمليات الإرهابية “الداعشية” من جهة، وتحريض الإخوان على زعزعة الاستقرار في المحروسة من جهة أخرى، وهذا صحيح، تؤكده معومات كشفت عنها صحيفة ‘المنــار’ المقدسية نهاية الشهر الماضي، تحدثت عن أن الرياض أبلغت جهات سياسية في القاهرة بأن النظام الوهابي قد أعد خطة بمعية قطر وتركيا لضرب الاستقرار في مصر، وذلك في حال عدم قبول القيادة المصرية بتبني المواقف الرسمية “السعودية” من قضايا المنطقة وعلى رأسها سورية التي تمثل لـ”السعودية” وتركيا و”إسرائيل” قضية حياة أو موت.
أما في ما له علاقة بالأوضاع الاقتصادية المتردية، فمصر تحتاج لمبلغ 200 مليار دولار لتنشيط اقتصادها وتحقيق الأمن الاجتماعي الذي يمر بمرحلة دقيقة تنذر بالانفجار، وذلك على أساس خطة خمسية تتطلب تدفق 40 مليار دولار من الاستثمارات كل سنة، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يتحقق، ولو نسبيا، إلا من خلال دعم مشيخات الخليج.
وهذا صحيح أيضا، لكن عمليا، يستحيل أن تسد مشيخات الخليج حاجات مصر المالية لرفع المعاناة عن شعبها، بل ستركز وكالمعتاد على إعطاء مصر ما لا يكفيها ولا يسد رمقها (مشاريع بـ 4 مليار دولار + أمدادات النفط بقيمة 20 مليار دولار لخمس سنوات قادمة بنسبة فائدة تصل إلى 2 %) كعظمة نحيفة للاختبار، كي تظل القاهرة تابعة تستجدي المساعدات فلا تموت ولا تحيا، مقابل تنازلها على سيادتها.
هذا علما أن الشعب المصري يرفض أن يتنازل عن سيادته وكرامته مقابل سد رمقه من الجوع، ويعلم أن من افقره وخرب وطنه هو النظام العسكري الذي حكمه منذ عهد المقبور السادات مرورا بالعميل مبارك وإلى يوم الله هذا، وأن لا حل للخروج من معضلته إلا بإنهاء حكم العسكر الذي يستحوذ على 60 % من الاقتصاد المصري، واستعادة الأموال والمقدرات المسروقة التي كشفت عن بعض فضائحها “وثائق باناما” الأخيرة، وما خفي أعظم.
خصوصا وأن الجميع في مصر والعالم العربي، يعلم أن السيسي ليس قائدا وطنيا شريفا، ولا مصلحا يمكن الوثوق به وائتمانه على سيادة مصر وأمن العالم العربي، فكل مراكز الدراسات والإعلام العالمي تتهمه بالديكتاتورية والفساد، بدليل أن حتى السعودي ‘أنور عشقي’ رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات ورجل ظل نظام آل سعود وصديق “إسرائيل”، فجر مفاجأة من العيار الثقيل حين اتهم منتصف الشهر الماضي الرئيس السيسي بسرقة المنح والمساعدات “السعودية” التي تعطى لمصر، وقال في مداخلة هاتفية مباشرة مع قناة “حوار”، أنه “لا يمكن للمملكة العربية السعودية ودول الخليج أن تستمر في تقديم الأموال لمصر إلا في مشروعات قائمة تراها بنفسها وتتأكد منها، لأن دول الخليج لا تعرف أين ذهبت كل المساعدات والأموال التي قدمتها لمصر.
*** / ***
والسؤال الذي يطرح بالمناسبة هو: – هل قبل السيسي ببيع سيادة مصر الترابية والسياسية وعقيدة جيشه العسكرية لـ”السعودية” مقابل 4 مليار دولار من المساعدات والاستثمارات التي وقع مشاريعها العاهل السعودي أثناء زيارته للقاهرة؟.
الجواب لا بالطبع، فهناك ما هو أكبر وأعظم، ويتوقف على القرارات التي ستتخذها مصر في الأيام والأسابيع القليلة القادمة، بشأن سورية واليمن وليبيا، لأن ما عرضته “السعودية” سرا على القاهرة يسيل له لعاب العسكر في المحروسة.
ذلك أن رؤية “السعودية” للتعويض عن خسائرها النفطية الكارثية، وبسبب الانتقادات الغربية لحروبها العبثية في المنطقة، وقرار البرلمان الأوروبي حظر توريد السلاح للمملكة بسبب جرائم الحرب التي ارتكبتها ولا تزال في اليمن، دفع ولي ولي العهد ووزير الدفاع الأمير سلمان لوضع خطة مستقبلية طموحة للتصنيع الحربي بشراكة مع فرنسا والولايات المتحدة، تقيم على أساسها مصانع ضخمة في شبه الجزيرة العربية والمغرب بالإضافة إلى مصر في حال التزم السيسي بتعهداته وأخضع جيشه لإرادة المملكة.
وهو المشروع الذي سبق وأن تحدث عنه الأمير محمد بن سلمان وقال أنه سيخصص له 2 تريليون دولار، يعتقد أن نسبة كبير منها ستأتي من ريع بيع عدد من حصص شركة “أرامكو” العملاقة، بحيث ستوظف مبالغ هائلة من الصندوق السيادي الجديد في التصنيع الحربي، لسد حاجات المملكة والدول العربية وأسواق آسيا وإفريقيا من السلاح.
وقد تم العمل على هذا المشروع في سرية تامة مع الحليف المغربي الموثوق، والذي ركز في علاقاته الخارجية على الدبلوماسية الإفريقية بدل العربية والإسلامية، ونجح العاهل المغربي خلال السنوات الماضية في استقطاب عديد الدول الإفريقية والدخول معها في شراكة اقتصادية من مدخل “الدبلوماسية الدينية”، خصوصا دول إفريقيا الغربية التي تعتمد المذهب المالكي منهجا رسميا للتشريع.
وقد سافر مؤخرا في زيارة رسمية لروسيا لإقناعها بجدوى التحالف الإستراتيجي مع المغرب، ويعتقد أنه طرح على الرئيس بوتين رئية لآفاق التعاون في الإطار الإفريقي.
وفي هذا الإطار، أشار موقع “defenseindustrydaily” المتخصص في الشؤون العسكرية، أن التعاون العسكري بين “السعودية” والمغرب قد مر إلى السرعة القصوى في الفترة الأخيرة، خصوصا بعد مشاركة المغرب في ما يسمى بـ”التحالف العربي” لدعم “الشرعية” في اليمن، ومناورات رعد الشمال التي شكلت أيضا مناسبة لاستقطاب الزبناء المحتملين من الدول العربية والإسلامية، لقطع الطريق أمام تسويق الصناعة الحربية الإيرانية، وتنشط “السعودية” من خلال السياحة الدينية (الحج والعمرة) لنسج علاقات تجارية مع حكومات الدول الإفريقية والأسيوية الإسلامية للترويج لمشروع التصنيع العسكري الجديد.
وقد تم وضع براءات تصنيع أسلحة دفاعية مطلع العام الجاري، وتخصيص مبلغ 22 مليار دولار من أجل وضع اللبنات الأساسية لصناعة عسكرية “مغربية – سعودية” موجهة للأسواق الإفريقية، وهو المشروع الذي تشارك فيه فرنسا من خلال شركة “طاليس” الشهيرة، والتي يعتقد أنها ستتجه أيضا لإنتاج الأقمار الصناعية لمراقبة الحدود وتسويقها تجاريا في القارة الإفريقية.
ويتوقع أن تنخرط في هذا المشروع الضخم شركات فرنسية كبرى ابتداءا من عام 2019، مثل شركة “إيرباص” و”بومبارديي” للصناعة الجو فضائية وصناعة الصواريخ، بميزانيات ضخمة لا تزال قيد الدراسة وستتكفل “السعودية” بتغطيتها، باعتبار أن سوق الصناعة الحربية يمثل رافدا اقتصاديا مهما للدول المصدرة.
هذا التطور، أقلق إسبانيا والجزائر بشكل كبير فأبديا معارضتهما للمشروع، لكن دخول فرنسا كشريك في خط التصنيع العسكري “السعودي المغربي”، وترجيح بعض الأوساط كمؤسسة “Frost & Sullivan ” إمكانية مشاركة مؤسسات صناعية أمريكية لمنافسة الأسلحة الروسية والصينية في السوق الإفريقية نظرا لتكلفة الإنتاج المنخفضة في المغرب بالإضافة للموقع الإستراتيجي والقرب الجغرافي، سيجعل مثل هذا القلق بلا معنى والمعارضة بلا جدوى، لأن الولايات المتحدة والدول الأوروبية لا يمكن أن تسمح لأي دولة بمنافستها في سوق السلاح الدولي إذا لم تكن شركاتها منخرطة ولها حصص وازنة في الأرباح.
أما بالنسبة لمصر، فالحديث يدور حول التصنيع الثقيل للدبابات والمدفعيات والناقلات وآليات ومعدات ثقيلة أخرى، فيما سيتم تصنيع القذائف الموجهة ومعدات التجهيز والمعالجات الحرارية وطائرات بدون طيار وفق التكنولوجية “الإسرائيلية” في محافظة الخرج شمال غرب الرياض.
ويعتقد أن زيارة أوباما لـ”السعودية” التي نمهد لها الوزير جون كيري هذا الأسبوع، ستخصص لدراسة تجديد التحالف الأمريكي – السعودي من مدخل المنافع الاستثمارية في إطار التوجه الجديد للملكة، للتعويض عن خسائر سوق النفط، ما دام الاستثمار في الدم والحروب والخراب يعتبر سوقا مستقبلية واعدة.
وقد كان لافتا أمام هذا التطور، أن طالب بيان لدول مجلس التعاون الخليجي بحضور الوزير كيري، ضرورة اعتراف الإدارة الأمريكية بالوحدة الترابية للملكة المغربية، وهو ما أقره الوزير الأمريكي، كما أن 180 برلمانيا أوروبيا تقدموا بطلب رسمي هذا الأسبوع، يحثون فيه البرلمان الأوروبي باحترام سيادة المغرب والانخراط في استراتيجيته الإفريقية الواعدة.
وأمام هذه المتغيرات، طلب الرئيس بوتين من وزارة خارجيته مراجعة السياسة الخارجية لروسيا، وأوضح الوزير لافروف في هذا الصدد، أنه من المستحيل وضع وصفة سحرية لحل كل مشاكل العالم، وأن وزارته تسعى إلى أخذ هذا التوجه بعين الاعتبار في وضع الوثائق الأساسية الخاصة بتحديد استراتيجية السياسة الخارجية الروسية، وشدد في هذا السياق على أن العقيدة الجديدة يجب أن تقوم على “الانتقال إلى هيكل متعدد الأقطاب” للعلاقات الدولية “من شأنه أن يعتمد على التعاون بين أبرز مراكز القوى في مصلحة الحل المشترك للقضايا العالمية..
وهذا يعني أنه من المستحيل مثلا، حل القضية السورية أو اليمنية بعيدا عن القوى الإقليمية الفاعلة كإيران وتركيا و”السعودية”، ناهيك عن القوى الدولية المؤثرة كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، أي أننا سنكون أمام مقاربة براغماتية جديدة تطغى فيها المصالح على حساب الحقوق والمبادئ والأخلاق.
*** / ***
وبالتالي، لا يمكن الحديث عن حل سياسي في سورية في ظل الوضع الحالي الذي يرجح كفة الدولة السورية في الميدان، وهناك مخطط أمريكي – تركي – سعودي لقلب موازين القوى من خلال السيطرة على الرقة في الوقت الذي يتم إشغال الجيش العربي السوري وحلفائه في أرياف حلب وفي الجنوب أيضا من خلال إعادة تفعيل غرفة “الموك.
وفي اعتقادي، أن التحشيد العسكري الضخم الذي تم في أرياف حلب، هو مناورة لإفشال المخطط الأمريكي – التركي – السعودي الجديد، لأن موسكو ودمشق وطهران وحزب الله يدركون أن السباق القائم اليوم ضد الساعة هو على تحرير الرقة لقطع الطريق أمام خطة التدخل الأمريكي في شرق سورية، والذي قررت دعمه بإرسال مزيد من القوات الأمريكية إلى شمال شرق سورية، في الوقت الذي تفاوض العبادي حول ضرورة إقامة قاعدة عسكرية في نينوى لمحاربة “داعش”، ما يسمح له بالتدخل في الشرق السوري للعبث بأمنه واستقراره حتى قبول الحكومة السورية بشروطها التي على رأسها القبول بتوقيع معاهدة صلح مع “إسرائيل”، لتنتهي الحرب في سورية وكأنها لم تكن.
أما حلب، فتستطيع انتظار مطلع الصيف القادم.. لأن العمل جار على قدم وساق لتفعيل التحالف السياسي والعسكري (السعودي – التركي – المصري – الأردني)، والذي نعتقد أن سورية ستكون على رأس أولوياته.. وهو الاختبار الذي سيخضع له ‘السيسي’ قبل أن تتحول مصر إلى حليفة إستراتيجية لـ”السعودية”، ويمكن حينها القول أن زيارة العاهل السعودي لمصر هي زيارة “تاريخية” تنضاف إلى سجل الخيانات العربية الموصوفة.
وغنيّ عن التذكير أن هذا الحلف الجديد لا يقوم على عقيدة دينية أو ثوابت قومية أو مبادئ أخلاقية، بغض النظر عن الشعارات التي يروج لها، بل على رؤية براغماتية (انتهازية) للمصالح والنفوذ..
وحيث أن من يملك المال هو من يتحكم في المواقف ويضع الأهداف والأولويات، فمن الطبيعي أن تكون “السعودية” هي زعيمة حلف الانتهازيين الجديد، وأمريكا لا يسعها إلا إرضائها طمعا في المزيد من الرز..
وفي سبيل ذلك، لا بأس من العودة للعزف على نغمة الإيرانوفوبيا، ما دامت تطرب حكام الخليج وتدفعهم للاستثمار أكثر وأكثر في السلاح والدم والخراب

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire