Thursday, February 5, 2015

رشيد البلغيتي يكتب: مات رئيس الحكومة.. عاش خادم الأعتاب الشريفة

بإنقضاء شهر يناير تكون الحكومة المغربية، التي يقودها الإسلامي عبد الإله بنكيران والتي جاءت بعد احتجاجات عارمة طالبت بفصل السلط
وإرساء دولة القانون، تكون (أي الحكومة) قد أطفأت شمعتها الثالثة مجتازة بذلك نصف الولاية المحددة في خمس سنوات. كان معولا أن تكون هذه الحكومة جهازا متماسكا ومتمسكا بكل صلاحياته التنفيذية وقادرا على رسم خطط للنهوض سياسيا واقتصاديا بالبلد بدعم من أغلبية برلمانية مريحة ومناصرة لخيارات حكومة رفعت قيادتها شعار "صوتك فرصتك لإسقاط الفساد و الاستبداد". الشعار هو صيغة مقرصنة لهتاف شباب حركة 20 فبراير، سنة 2011، الذين صرخوا في شوارع المملكة، بأعلى صوتهم: الشعب يريد إسقاط الفساد، الشعب يريد إسقاط الاستبداد.
المتتبع للممارسة الحكومية المغربية يلاحظ أن المقص لم يمس ذقن رئيس الحكومة فقط، والذي كان كثا أيام المعارضة، بل مس عدد من قناعاته التي كان يعبر عنها ولعل أبرزها تعبيره، غير ما مرة، بأن المشكلة في المغرب سياسية وليست شيئا آخر وأن عنوان المشكلة هو التحكم والسلطوية، في إشارة لمحيط الملك و صلاحيات القصر المطلقة. رئيس الحكومة الذي كان فيما مضى يصول ويجول داخل البرلمان وقاعات المؤتمرات، بقميص ياقته مفتوحة، بدا كمن تحولت ربطة عنقه الرسمية إلى حبل ملتف حول رقبته يخنقه ويمنعه من التعبير بحرية كما يوجهه الى القبول بالعيش في إسطبل السلطوية التي أصبح بنكيران وليا لها ونصيرا !
دافع رئيس الحكومة الحالي عن الوثيقة الدستورية التي منحها العاهل المغربي لشعبه يوم فاتح يوليوز واعتبرها فاتحة للإنتقال من حال الى حال. كان عدد من قيادات حزب العدالة والتنمية يقولون أن دستور 2011 يتيح مساحة كبيرة للتدافع بين القوى السياسية وغير السياسية المتصارعة فوق رقعة السلطة وأن الفرصة مواتية للإنتقال من واقع السلطنة نحو دولة المؤسسات.
ظاهريا كان يبدو دستور محمد السادس أفضل بكثير من دستور والده الراحل الحسن الثاني الذي استأثر بصياغة دساتيره وجعلها تعبر عن سلطته المطلقة وسموه عن كل النواميس. توسيع صلاحيات رئيس الحكومة، في التعديل الأخير، وكذلك صلاحيات غرفتي البرلمان جعل عددا من المتفائلين يرون بأن كفة هذه النصوص قد تميل لصالح "تأويل ديمقراطي" كما دعا الملك نفسه، الى هذا التأويل، في إحدى خطبه الشهيرة.
غير أن القديم-الجديد في الساحة السياسية المغربية هو التناقض الصارخ بين الخطب والممارسات التي تأتي بعيدة عن كل تأويل ديمقراطي للوثيقة الدستورية بل مجسدة لكل المظاهر التقليدانية للحكم السلطاني و التي تتيحها الوثيقة الدستورية الحاملة للشيء ونقيضه.
هكذا استمر الملك، من خلال خطبه التي ألقاها بمناسبة افتتاح ثلاث دورات خريفية بالبرلمان، موجها للعمل التشريعي ومقيما للأداء السياسي وناقدا لممارسات الفاعل الحزبي الذي لاحق له في مناقشة خطب الملك، بقوة الدستور، بينما يبقى الحق الوحيد هو الإدلاء بتصريحات أمام كاميرا التلفزيونات الرسمية يصف فيها الجميع خطبة الملك بـ"التاريخية"، رغم أن الخطب تأتي بكثير من الأفكار السجالية. كما استمر الملك سلطة تشريعية، غير منتخبة، و بقوة الدستور دائما، و ذلك من خلال الظهائر الملكية كالظهير الذي تضمن منعا صريحا للقيمين الدينيين، من أئمة و وعاظ وخطباء، من ممارسة أي نشاط سياسي أو نقابي، أو اتخاذ أي موقف يكتسي صبغة سياسية أو نقابية والصادر سنة 2014. هذا الظهير لا يمكن لأحد أن يجادل فيه أو يطعن فيه قضائيا مع العلم أنه يمس حرية العمل النقابي التي تعتبر حقا كونيا مكفولا للقيمين الدينين المتعاقدين الذين يزاولون مهنة ما. فكيف لهم أن يناضلوا عبر الوسائل المشروعة من أجل رفع الأجرة أو التعويضات ذات الصبغة الدائمة المخولة لهم كموظفين في القطاع العام، و تحسين المقتضيات السارية على هيئتهم بخصوص الترقي في الرتبة و الدرجة مثلا؟
لقد انكمش الجسد المؤسسي لرئيس الحكومة واقتربت صفته المؤسساتية الحديثة من الاندثار فتحول عبد الإله بنكيران، رويدا رويدا، من صفته كـ"رئيس حكومة" الى صفة "خادم الأعتاب الشريفة"، مرجحا بـ"جبنه" السياسي كفة السلطان القروسطوي على كفة الملك الحديث. هكذا استمرت "التعليمات الملكية"، و التي توصف دائما بالسامية، كما استمرت "الأوامر الملكية" والتي توصف هي الاخرى بالمطاعة، في تأطير الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمغاربة، بعيدا عن الدستور على علاته، و تحول الملك إلى لاعب و حكم، في نفس الوقت، يملأ الملعب كله ووحده، بينما اختار رئيس الحكومة الصعود إلى منصة الجمهور معلقا على دينامية مباراة ديمقراطية لا توجد إلا في مخيلته.
لا يمكن لوم القصر، لوحده، على كره "الربيع" ما دام رئيس الحكومة سعيدا بدور البستاني الذي يكنس أوراق الخريف الساقطة على أرصفة الحكم بدل الاهتمام بري الورود الذابلة في جنان الوطن
المصدر:
"""""                
ننشر ما لا يقدر الآخرون على نشره، نبث ما لا يستطيع الآخرون بثه لأننا نخاف الله، و ننبذ  الظلم و نعيد الحق للمقهور، وهذا هو هدف رسالتنا، نحن مظلة لمن احرقه حر الظلم.
 مهما كنت "مثاليا" ستجد من يكرهك ! حتى الملائكة تكرهها الشياطين
’’مراكش تايمز’’ منبر لمن لا منبر له, و صوت لمن لا صوت له, و ظل لمن لا ظل له, موقع الدراويش و الله الموفق و السلام عليكم.
ذ محمد كوحلال كاتب مدون ناشط حقوقي مستقل مراكش المملكة المغربية
للاتصال :                      

No comments:

Post a Comment