dimanche 6 mars 2016

ضابط الموساد في ضيافة دمشق.. عندما أبكت المخابرات السورية إسرائيل

بانوراما الشرق الأوسط 
القراء الأعزاء, ما أنتم على وشك قراءته الآن ليس قصة بوليسية هدفها التشويق و الإمتاع أو حتى التغني بأمجاد الماضي و إن بدت كذلك, بل هي صرخة التاريخ المظلوم في زمن علا فيه ضجيج الثورات و المؤامرات و اختبأت فيه “إسرائيل” خلف غبار داحس و الغبراء, زمن التكفير و التكبير و التزوير .. زمن الاتجاه المعاكس لكل ما هو أخلاقي و وطني!
و لأننا شعوب تعشق النسيان لا بل تتغنى به حتى أصاب ذاكرتها الشلل, سنحاول ها هنا إدخالها غرفة الإنعاش و فعل كل ما بوسعنا لإنقاذها.. فالوطن..كما تعلمون.. ذاكرة!
باختصار..إليكم قصة حقيقية فيها لمن لا يعرفها.. ما يبعث في النفس السرور و الأمل, و فيها ما قد يدفع الدمع للنفور من المُقل!
عام 2004:

( بعد 31 عاماً لا تزال إسرائيل تدفع ثمن المعلومات التي قدمها (ع.ل) ضابط المخابرات الإسرائيلي، للسوريين. فالمعلومات التي قدمها لهم تصلح لأن تكون موسوعة حول الجيش الإسرائيلي ودولة إسرائيل. بل إن بعض هذه المعلومات، ورغم مرور 31 عاماً لا تزال ‘حية’ وذات قيمة، وكلفت اسرائيل أموالاً طائلة لتصليح الأضرار الناجمة، تلك التي يمكن إصلاحها فقط! ناهيك عن جهد المئات في العمل المتواصل لسنوات طويلة، لتقليصها. ويقال أن حجم الخسائر بالإضافة الى سنوات العمل المضني لا تقل عن الأموال التي صرفت والجهود التي بذلت في تطوير وبناء طائرة “لافي)
إيتار هابر/ صحفي و مستشار سابق لإسحاق رابين.
البداية:
إنه يوم السادس من تشرين الأول 1973, لم تمنع اهتزازات الحوامات الثلاث جنودَ القوات الخاصة السورية على متنها من سماع دقات قلوب بعضهم البعض و هي تكاد تقفز من صدورهم لشدة الفرح.. فهذا هو اليوم الذي طال انتظاره, ثلالث سنوات كاملة و هذه المجموعة المختارة بعناية تتدرب ليل نهار على جبال اللاذقية!
المهمة: تحرير مرصد جبل الشيخ !
وحده النقيب ” محمد الخير ” فائد مجموعة الاقتحام السورية كان يغرق في صمت مهيب و هو يراجع للمرة الألف خطة الهجوم و بين يديه مخطط مفصل عن البناء المستهدف , عدد الطوابق,مساحتها, كم منها تحت الأرض, سماكة الجدران, فتحات التهوية, عدد النوافذ و الطلاقات , عدد الجنود الإسرائيليين الذين يشغلون المحطة و غيرها من التفاصيل التي حصلت عليها المخابرات السورية عبر شبكة التجسس الأكبر في تاريخ الكيان الصهيوني.. (1).
على ارتفاع أكثر من 2100 متر فوق سطح البحر, حيث يقبع أهم مراصد العدو الإسرائيلي و أكثرها تطوراً و تحصيناً, جلس ضابط الاستخبارات عاموس ليفينبرغ تحت الارض يتبادل مع عناصره نظرات الحيرة و الذهول! ما الذي يجري؟ أهي القيامة؟!!
عندما خرج من بيته في حيفا قاصداً المرصد إياه صبيحة ذلك اليوم , لم يكن ليفينبيرغ يدري ما الذي ينتظره مساءً, حتى أنه اصطحب معه كتاب (تنفيذ الأوامر القتالية لسلاح الطيران الإسرائيلي) ليتسلى بقراءته .. و الذي يُعتبر “توراة” سلاح الجو و حلم أي جهاز مخابرات معادي..(على حد وصف يديعوت أحرونوت!).
ذكاءٌ حاد, ذاكرة قوية استثنائية, نهمٌ شديد للاطلاع و المعرفة, فضول لا يشبع, يتقن ثلاث لغات بما فيها العربية باللهجات السورية و الفلسطينية و المصرية, متخصص في التنصت و فك الشيفرات! هكذا وصف قادة الوحدة 8200 (2) مواهب الملازم عاموس ليفينبيرغ في تقاريرهم ! غير مدركين أن هذه المواهب هي النقمة التي ستحل على إسرائيل لاحقاً..
داخل مرصد قمة الحرمون, كان أزيز الرصاص قد هدأ, فالجنود السوريون – و بعد ملحمة بطولية قل نظيرها في التاريخ المعاصر وصل فيها الأمر حد استخدام الحراب و السكاكين – كانوا قد استولوا على المبنى المحصّن ذي الطوابق الخمس ( اثنان فوق الارض و ثلالثة تحتها ) و وضعوا جميع أجهزة التجسس الاسرائيلية فائقة التطور بعد تفكيكها على متن حوامات ستنقلها إلى دمشق, و الاهم منها – كما سيتبين لاحقاً – هم الجنود الإسرائيليون الثمانية و الستون الذين تم أسرهم, و من بينهم “صديقنا” ليفينبيرغ! (3)
ما هي إلا سويعات قليلة حتى كان الأسرى في ضيافة المخابرات السورية بدمشق.
بلهجة سورية متقنة و قبل أن يُوجّه إليه أي سؤال تقدم أحدهم معرفاً عن نفسه: أنا الملازم عاموس ليفينبيرغ من وحدة الاستخبارات العسكرية 8200!
فوجئ المحققون السوريون بما شعروا أنه كنز معلومات ثمين بين ايديهم, بيد أنهم لن يعلموا قيمة هذا الكنز الحقيقية إلا بعد أن يبدأ التحقيق.
بعيداً عن باقي الأسرى, و في غرفة خصصتها له المخابرات السورية, لا أحد يعلم على وجه الدقة كيف استطاع المحققون إقناعه أن إسرائيل قد انهارت, و أن الدبابات السورية تتجول هذه الأثناء في شوارع تل أبيب! لكن الطريقة التي بدأ فيها ليفينبيرغ بالبوح بكل ما يعرفه تثبت أن الرجل صدق ذلك تماماً, و أنه اقتنع بأن كتمان أي معلومة بات عبثياً و بلا معنى !(4)
لم يمض كثيرٌ من الوقت حتى علم ضباط المخابرات السوريين قيمة ” الصيد” الذي وقع بين أيديهم!
إذ شعروا و كأنهم يستجوبون رئيس الأركان الإسرائيلي و ليس مجرد ملازم في جيش العدو.. لا بل إن عاموس أدلى بمعلومات ربما لا يعرفها وزير الدفاع الإسرائيلي نفسه حينها! فالرجل يعرف كل شيء عن كل شيء في إسرائيل و يمتلك ذاكرة تصويرية خارقة!أمرٌ لا يصدق..
كل ما كان على المحققين السوريين فعله هو تقديم الأوراق لآلة الطباعة الإسرائيلية العجيبة التي لا تتوقف عن الكتابة! حتى أنهم لم يضطروا لتوجيه اي سؤال له .. أو الضغط عليه طوال فترة الاستجواب! صفحات تليها صفحات.. ملأها ليفينبيرغ, ابتداءً بأسرار جيشه الخطيرة و ليس انتهاءً بالشائعات و قصص النميمة حول كبار ضباط الجيش الإسرائيلي! مروراً بالاسلحة و المعدات السرية و مواقعها وهيكلية الاستخبارات الصهيونية و بنيتها و طرائق جمع المعلومات و مصادرها و مناهج التدريب العسكرية و عن بنية المجتمع الإسرائيلي و أحزابه السياسية و العلاقات الاجتماعية و..و..و..
و استمر عاموس بالكتابة كنهر يفيض بغزارة و بلا توقف! لم لا و “إسرائيل” قد انهارت؟!!
على الضفة الأخرى.. كانت التقارير الواردة للقيادتين العسكرية و السياسية في تل أبيب تثير الرعب, فهي جميعها تتحدث عن ملازم “يعرف ما لا ينبغي أن يعرفه شخص واحد” قد بات في قبضة السوريين! يجب أن تتم عملية تبادل بأسرع وقت.. لكنهم جميعاً أدركوا أن المخابرات السورية لن تدع هذا ( الكومبيوتر البشري ) يفلت من قبضتها قبل أن تعتصر آخر قطرة معلومات منه!
في هذه الأثناء, قررت القيادة السورية دعوة الحلفاء للمشاركة في هذه الحفلة الاستثنائية و لقاء “الضيف المعجزة”, بعد أن تم نقله..دخل المحققون الروس إلى الفيلا الواقعة على أطراف مدينة دمشق و تبعهم محققوا المخابرات المصرية.. و كما هو متوقع, لم يخيب عاموس ليفينبيرغ أملهم ليجيب على كل أسئلتهم بإسهاب و دقة منقطعي النظير!
لم يتوقف السوريون، الذين عملوا بمهنية وكفاءة عاليتين، عن تشجيع ع. ل، وواصلوا تقديم الأوراق البيضاء له واستلامها مليئة بالمعلومات بخط كثيف وصغير” – يديعوت احرونوت.
بعد ما يقارب الثمانية أشهر,و حين تأكدت المخابرات السورية أنه لم يعد لديه ما يقدمه, لكم أن تتخيلوا مدى صدمة و ذهول و رعب عاموس ليفينبيرغ عندما وجد نفسه على متن طائرة متوجهة إلى تل أبيب في عملية تبادل للأسرى! فهو لم يقدم للمخابرات السورية أية معلومات .. بل كتب لها موسوعة كاملة عن الكيان الصهيوني و جيشه!
هناك في تل أبيب, كثرٌ من كانوا يودون تمزيق ليفينبيرغ إرباً, حتى أن مرافقه في الطائرة طلب منه “الانتحار”! و مع ذلك جميعهم انتظروا انتهاء التحقيق معه على أحر من الجمر آملين أن يكون “بئر الأسرار” لم يُفشِ منها الكثير!
لكن جذوة أملهم ستخبو بمجرد أن يبدأ التحقيق , فعلى مدى ثلاثة اشهر, اجتمع كل يوم “كخلية نحل” العديد من ممثلي و خبراء قيادة الجيش و الاستخبارات العسكرية و الموساد لتدارس الموقف و تقييمه بناء على سير التحقيقات مع عاموس.. رويداً رويداً توضح للجميع في تل أبيب حجم الكارثة التي وقعت!
تقارير يومية كانت توضع على مكتب رئيسة الوزراء و وزير الامن و رئيس الاركان و رؤساء الأجهزة الأمنية كل صباح, ليتم على إثرها يومياً تغيير الشيفرات و الاساليب و الإجراءات و نقل ضباط و وحدات و مقرات كلف إنشاؤها الملايين!
عبّر عن الأمر رئيس شعبة المخابرات العسكرية ( امان ) في حينه يهوشفاط هركابي بالقول:
في كل صباح.. كنت أبكي من جديد “!!.
في حين صرخت غولدا مائير و هي تقرأ تقرير الشاباك عن كل ما جرى قائلة: كيف حدث هذا لنا؟؟!!
لاعتبارات كثيرة منها السياسي و الإعلامي و النفسي, قررت قيادة جيش الاحتلال الاكتفاء بتسريح ليفينبيرغ بشرط ألا يتحدث لوسائل الإعلام أو يذكر اي من التفاصيل(5).
لكن لقاءً صحفياً وحيداً له في العام 1990 قال فيه:
يوجد فرق كبير بين النوايا و النتائج, أنا لم أهرب إلى دمشق و معي حقائب مليئة بمواد غاية في السرية,يجب تفهم الوضع النفسي لإنسان وقع في الأسر.
مهلاً! أعيدوا قراءة الجملة الأخيرة !
لأنها في الحقيقة.. بيت القصيد من كل ما قرأتموه !!
فهنا وجدتني أسأل نفسي و الحاضر ماثل أمامي بقلب يعتصره الألم ..
كم من عواميس الداخل ذهبوا بأرجلهم إلى العدو ليسلموه حقائب ملأى بالأسرار؟ كم من العواميس اصطفوا طوابيراً أمام مكاتب الاستخبارات الأجنبية و تقاطروا زرافاتٍ و وحدانا و من كل زوجين اثنين ليبوحوا للموساد و غيره بما يعرفونه عن سورية, و جيشها, و أسرارها.. طواعية لا تحت التعذيب أو الضغط! و إذا كان “عاموس” واحد قد ألحق بكيان العدو جروحاً غائرة لا زال يلعقها و يداويها إلى يومنا هذا, فكم نحتاج نحن من الوقت و الجهد و الأموال .. و الدماء.. لتلافي الأضرار الفادحة التي تسبب بها عشرات بل مئات.. أو ربما آلاف العواميس! من يدري؟؟
أسئلة أتركها برسم القارئ العزيز ليجيب عليها.. في زمن كثرت فيه الأسئلة, و قلت الإجابات!
آه يا سوريتي! قدرك ان تتلقي الطعنات من كل الجهات حتى لم يبق موضع شبر في جسدك الطاهر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية..
لكني و رغم كل هذا .. رغم كل ما جرى و يجري اليوم.. لأجل الصفحات المضيئة في تاريخنا ..لأجل من ضحوا.. لأجل الشرفاء في وطني..سأبقى أدندن كلمات ما فتئت تتردد في ثنايا الروح قائلة..
إني اخترتك يا وطني.. حباً, و طواعية
إني اخترتك يا وطني.. سراً, و علانية
إني اخترتك يا وطني..فليتنكر لي زمني
ما دمت ستذكرني
يا وطني الرائع يا وطني..
يا وطني الرائع يا وطني..
* (باسم الشيحاوي / باحث في الشؤون السياسية و العسكرية)
<> بعض المصادر و المراجع و الملاحظات:
(1)- الوحدة 8200 هي أهم أذرع الاستخبارات العسكرية الصهيونية و مهمتها الاساس التنصت و التجسس و مراقبة الاتصالات في المنطقة.
(2)- شبكة البطل المغفور له شكيب أبو جبل ” أتمنى على الجميع قراءة ما أمكنهم عنها.
(3)- المصدر يديعوت احرونوت (تتحدث بعض المصادر عن 30 قتيل و 31 أسير! لكنها ربما تتجاهل ما حصل عقب محاولة استعادته الاولى الفاشلة من قبل إسرائيل).
(4)- ذكر ليفينبيرغ في هذا الخصوص كيف أنه شاهد و هو يساق إلى دمشق طائرات الفانتوم و هي تتساقط بفعل الصواريخ السورية أثناء فرارها باتجاه غرب طبرية, و كيف حطم ذلك معنوياته.
(5)- كي لا ينخدع أحد ( بالعفو الإسرائيلي) يكفي أن نعلم كيف تمت تصفية 3 مهندسين إسرائيليين داخل المرصد من قبل زملائهم حسب تعليمات قيادتهم حتى لا يقعوا في قبضة المخابرات السورية.
*(http://thawra.sy/_print_veiw.asp…)
*بالعبرية(https://he.wikipedia.org/…/%D7%A2%D7%9E%D7%95%D7%A1_%D7%9C%…)
* (https://books.google.com.ph/books…)
* بتصرف:( http://www.alwatanvoice.com/arabic/content/print/10239.html)
* ضعيف:(http://foreignpolicy.com/2013/…/20/the-spies-inside-damascus

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire